الشيخ الأميني

261

الغدير

يا رسول الله ! قد شبت ؟ قال : شيبتني هود والواقعة . الحديث . وروى مثله الحفاظ عن ابن مسعود ، وفي لفظ أبي جحيفة : قالوا : يا رسول الله ! نراك قد شبت ؟ قال : شيبتني هود وأخواتها ( 1 ) . فهذه الصحيحة تعرب عن أنه صلى الله عليه وآله كان قد بان فيه الشيب على خلاف الطبيعة ، وأسرع فيه حتى أصبح مسؤولا عنه وعما أثره فيه صلى الله عليه وآله فأين منها ذلك التأويل البارد ؟ وربما يقال في حل مشكلة ( يعرف ولا يعرف ) : إن أبا بكر كان تاجرا عرفه الناس في المدينة عند اختلافه إلى الشام ، لكنه على فرض تسليم كونه تاجرا ، وعلى تقدير تسليم سفره إلى الشام ودون إثباته خرط القتاد ، مقابل بأن رسول الله صلى الله عليه وآله أيضا كان يحاول التجارة يستطرق المدينة إلى الشام ، فلو كانت التجارة بمجردها تستدعي معرفة الناس بالتاجر فهو في النبي الأعظم أولى لأن شرفه المكتسب ، وشهرته وبالأمانة ، وعظمته في النفوس ، وتحليه بالفضائل ، وبروز عصمته وقداسته عند الناس من أول يومه ، وشرفه الطائل في نسبه ، أجلب لتوجه النفوس إليه ، بخلاف التاجر الذي هو خلو من كل ذلك . على أن التاجر متى هبط مصرا فعارفوه رجال معدودون ممن شاركوه في الحرفة ، أو شارفوه في المعاملة ، وهذا التعارف يخص بأناس تعد بالأنامل لا عامة الناس كما حسبوه ، وأنى هذا من سفر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وأبو بكر يوم ذاك يرضع من ثدي أمه ، خرجت به صلى الله عليه وآله أم أيمن لما بلغ ست سنين من عمره إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزور به أخواله ، فنزلت به في دار النابغة رجل من بني عدي بن النجار فأقامت به شهرا . ومما وقع في تلك السفرة : قالت أم أيمن : أتاني رجلان من اليهود يوما نصف النهار بالمدينة فقالا : أخرجي لنا أحمد . فأخرجته ونظرا إليه وقلباه مليا ثم قال أحدهما لصاحبه : هذا

--> ( 1 ) أخرجه الحافظ الترمذي في جامعه ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، وأبو يعلى ، والطبراني ، وابن أبي شيبة ، والحاكم في المستدرك 2 : 343 وصححه هو وأقره الذهبي ، والقرطبي في تفسيره 7 : 1 . وأبو نصر في اللمع ص 280 ، وابن كثير في تفسيره 2 : 435 ، والخازن في تفسيره 2 : 335 .